ابراهيم بن عمر البقاعي

77

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكره ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في تغيير مألوفاتهم إلى ما يأمرهم سبحانه به من إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه ، ذكره ما أخذ عليه من العهد في التبليغ فقال : وَمِنْكَ أي في قولنا في هذه السورة اتق الله وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وفي المائدة يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل ، ولما أتم المراد إجمالا وعموما ، وخصه صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك العموم مبتدئا به بيانا لتشريفه ولأنه المقصود بالذات بالأمر بالتقوى واتباع الوحي لأجل التبني وغيره ، أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع ، تأكيدا للأمر وتعظيما للمقام ، لأن من علم له شركا في أمر اجتهد في سبقه فيه ، ورتبهم على ترتيبهم في الزمان لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم ، بل التآسية بالمتقدمين والمتأخرين فقال : وَمِنْ نُوحٍ أول الرسل إلى المخالفين وَإِبْراهِيمَ أبي الأنبياء وَمُوسى أول أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ختامهم ، نسبه إلى أمه مناداة على من ضلّ فيه بالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة ؛ ثم زاد في تأكيد الأمر وتعظيمه تعظيما للموثق فيه ، وإشارة إلى مشقته ، فقال مؤكدا بإعادة العامل ومظهر العظمة لصعوبة الرجوع عن المألوف : وَأَخَذْنا مِنْهُمْ أي بعظمتنا في ذلك مِيثاقاً غَلِيظاً استعارة من وصف الأجرام العظام كناية عن أنه لا يمكن قطعه لمن أراد الوصلة بنا . ولما كان الأخذ على النبيين في ذلك أخذا على أممهم ، وكان الكفر معذبا عليه من غير شرط ، والطاعة مثابا عليها بشرط الإخلاص علله ، معبرا بما هو مقصود السورة فقال ملتفتا إلى مقام الغيبة لتعظيم الهيبة لأن الخطاب إذا طال استأنس المخاطب : لِيَسْئَلَ أي يوم القيامة الصَّادِقِينَ أي في الوفاء بالعهد عَنْ صِدْقِهِمْ هل هو للّه خالصا أو لا ، تشريفا لهم وإهانة وتبكيتا للكاذبين ، ويسأل الكافرين عن كفرهم ما الذي حملهم عليه ، والحال أنه أعد للصادقين ثوابا عظيم وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ أي الساترين لإشراق أنوار الميثاق عَذاباً أَلِيماً فالآية ، من محاسن رياض الاحتباك ، وإنما صرح بسؤال الصادق بشارة له بتشريفه في ذلك الموقف العظيم ، وطوى سؤال الكفار إشارة إلى استهانتهم بفضيحة الكذب وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ المجادلة : 14 ] فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ [ المجادلة : 18 ] وذكر ما هو أنكى لهم . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 9 إلى 10 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 )